صرّح حجة الإسلام والمسلمين الأستاذ عبد الحسين خسروپناه، أمين المجلس الأعلى للثورة الثقافية، قائلًا: «ينبغي النظر إلى الإجماع في الفقه الاجتماعي بوصفه تفاهمًا جماعيًّا، وهو يمتلك – حتى لو اتُّخذ بوصفه دليلًا استنباطيًّا – قيمة معرفية».
جاء ذلك في تقرير صادر عن مركز الإعلام والعلاقات العامة التابع للمجلس الأعلى للثورة الثقافية، بمناسبة عقد جلسة تخصصية بعنوان «فلسفة الفقه الاجتماعي» قدّم خلالها الأستاذ خسروپناه محاضرةً رئيسية.
وأكد الأستاذ خسروپناه في بداية الجلسة على ضرورة أن تكون الحوزات العلمية رائدة في مجالين: «الأسس الفكرية» و«المواضيع التطبيقية المعاصرة»، ثم تطرّق إلى مكانة الفلسفات المضافة، واعتبر الفقه الاجتماعي ليس علمًا جديدًا، بل هو تفسير للظواهر والأنطولوجيا الخاصة بالحياة الجماعية من منظور الوحي الإلهي.
كما أشار أمين المجلس الأعلى للثورة الثقافية إلى كتابه «فلسفة الفقه الاجتماعي»، وشرح العملية الاستدلالية والإثباتية للحكم الشرعي عبر عشر مراحل تبدأ من «العلم الذاتي الإلهي» وتنتهي بـ«النتائج الملكوتية للامتثال». ويرى أن من وظائف فلسفة الفقه الاجتماعي الإجابة عن الأسئلة «الخارجية» المتعلقة بالفقه، كأسئلة الجوهر والغاية والمجال والمنهجية، والتي لم تُطرح عادةً بشكل مترابط في المؤلفات الفقهية الكلاسيكية.
واعتبر الأستاذ خسروپناه أن من الأدوات الأساسية في فلسفة الفقه الاجتماعي هو دراسة «تاريخ التطور»، وقسّم تاريخ الفقه الشيعي إلى ثلاثة عشر دورة زمنية، تبدأ من العصر النبوي، وتمتد عبر مراحل مثل «الدولة داخل الدولة» في عصر الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام، وعصر «النيابة العامة»، و«فقه العصر الصفوي»، و«فقه عصر الدستور»، لتصل إلى الدورة الثالثة عشرة المتمثلة في «تهيئة الأرضية لتأسيس الحكومة الإسلامية». وأكد قائلًا: «خلافًا لما يظنه البعض، فإن الفقه الشيعي لم يكن يومًا علمانيًّا؛ ذلك أن الفقهاء كانوا دائمًا يتناولون واجبات الحاكم في جميع الأبواب، من الطهارة إلى الديات، ولم تكن ثمّة حاجة إلى تأليف كتاب مستقل باسم السياسة».
كما نقد الأستاذ خسروپناه الرؤية التي تقتصر على تفسير الفقه في إطار التكاليف الفردية فقط، وأعاد تعريف مجال الفقه الاجتماعي في ثلاثة مستويات معاصرة:
- التكاليف الجماعية: وهي الأحكام الموجّهة إلى «المجتمع ككل» بشكل جمعي، كما في الآية 200 من سورة آل عمران.
- التكاليف التنظيمية والحكومية: وهي الأحكام الموجّهة إلى المؤسسات والهياكل التنظيمية، كما في نظام الرقابة الوارد في الرسالة الثالثة والخمسين من نهج البلاغة.
- التكاليف التاريخية: وهي الواجبات التي تكتسب معناها في سياق التاريخ، كـ«الاضطرار إلى الحجة» وتكليف الانتظار.
وتطرّق الأستاذ خسروپناه إلى العلاقة بين الفقه والعلوم الأخرى، موضحًا أن الارتباط بين الفقه من جهة، والإدارة وعلم النفس وعلم الاجتماع من جهة أخرى، لا يقتصر على كونه علاقة وصفية، بل هو ارتباط مُحقّق للتحوّل والتأثير المتبادل. وطرح مفهوم «فقه الحوكمة»، مؤكّدًا أن الفقه ينبغي أن يقدّم رؤى في مجالات كالجهاد والهيكل التنظيمي والاستراتيجية. وأوضح مثالًا على ذلك بدراسة حوكمة الأنبياء، وكيف أن النبي موسى عليه السلام مارس أنشطة تبدأ من تفكيك الهياكل الفاسدة (كما في موقفه من السامري) وصولاً إلى رسم السياسات والتوجيه الاستراتيجي استنادًا إلى الوحي.
وفي ختام حديثه، أشار أمين المجلس الأعلى للثورة الثقافية إلى الفارق بين «المنهج» و«القواعد»، قائلًا: «نحن في الحوزات العلمية ندرس قواعد الفقه والأصول، لكننا نادرًا ما نتناول «الخوارزمية»، أي العملية التدريجية خطوة بخطوة لتطبيق هذه القواعد للوصول إلى النتيجة المطلوبة». ودعا إلى وضع منهجيات مركّبة تجمع بين الاستراتيجيات الاجتهادية والتقنيات الاستنباطية لمعالجة القضايا الاجتماعية المستجدة، مؤكدًا مجددًا أن «الإجماع في الفقه الاجتماعي يجب النظر إليه كتفاهم جماعي، يمتلك – حتى إن اُعتبر دليلًا استنباطيًّا – قيمة معرفية رصينة».